الرئيسية أخبار محلية أخبار عالمية مقالات وأراء أخبار خفيفة رياضة فن وفنانون مكتبة الميديا أدبيات أفلام ومسلسلات مواضيع متنوعة
لو كنت يسوع المسيح!
بقلم : عصام مخول

شغلتني في الايام الاخيرة وأنا أتابع هذا الحراك "المسيحي"  في حيفا، ومنسوب التشنّج والحناجر المخنوقة والهتافات المتهدّجة، والصلبان المشرعة في المظاهرات العنيفة حول متحف حيفا، شغلتني فكرة واحدة: ماذا كنت سأقول في ذلك لو كنت يسوع المسيح؟ وغلب عليّ السؤال ما هو المضمون المسيحي أصلا في هذا التشنج، وفي الخطاب العنيف الذي رافق المظاهرات وما زال يرافق النقاش المشروع حول طابع وطبيعة المعرض الذي يستضيفه المتحف منذ شهر آب 2018، والذي يشمل معروضا لمجسم مهرّج شركة ماكدونالدز مصلوباً على الصليب. 
وهي رسالة أراد الفنان التقدمي ياني لينونين من خلالها أن يتهم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، بأنه يرفع مكانة الاستهلاك والتضليل الذي تمارسه كبريات الشركات العالمية العملاقة الى درجة القداسة، والى موقع الدين من ثقافة المجتمع. فهل المشكلة هي في هذه الرسالة التقدمية للفنان الذي يطالب الأن متحف حيفا بإزالة عمله من المتحف لأنه من مؤيدي حركة المقاطعة لإسرائيل؟ 
وإذا كان الدين – كل دين - فكرا وثقافة وحضارة يتدخل ويتداخل في مناحي حياة الناس جميعها ويعشش في مسامات المجتمع كله، فما الغريب في أن يلجأ الفنان الى رموز دينية لتوضيح فكرته الاجتماعية  ومفاهيمه الفكرية ورسالته الفنية ومواقفه السياسية؟  أم أن هذا التداخل هو طريق في اتجاه واحد؟ إن هذه الاسئلة مهمة وتتطلب أجوبة شجاعة بغض النظر عن الموقف من القيمة الفنية للمعرض نفسه. 
وشغلني السؤال، هل الصليب الخشبي (بكونه صليبا) هو المقدس وفق الدين المسيحي ووفق تعاليم السيد المسيح! وهل يقوم الدين المسيحي وفكرة المسيح على الصليب أم على النزول عنه والقيامة من الموت.. وهي جوهر الدين المسيحي؟ 
أليست قدسية المصلوب عليه هي التي منحت الصليب قدسيته؟ ألم يكن مصلوباً على جانبي المسيح المعلق على الصليب في جبل الجلجلة، لصّان كل على صليبه أيضاً؟ فما الذي يثير ثائرة "حماة المسيح" والمسيحية إزاء قطعة فنية علّق فيها الفنان "لصاً"  حديثا على صليب، رمزا لشبكة ماكدونالدز العالمية أكبر لصوص عصرنا؟ وهل ما يحق للص علّق على صليب قبل أكثر من ألفي عام بجانب يسوع المصلوب وفق الرواية المسيحية.. يصبح مثار عنف وتشنج وأعصاب محروقة في حالة التعرض الفني للصٍّ أمريكي كبير ينتشر في كل العالم؟
إن أكثر ما يقلق في الخطاب المتشنج الذي رافق "المعركة المزعومة  للدفاع عن  المسيح وحماية المسيحية" على بوابات متحف حيفا، أنه اتخذ شكلا فجّاً وفظّاً، تجاوز حدود النقاش الحضاري والعيني الموضوعي والمشروع المرتبط بالموقف من معرض فني لا يروق لكثيرين. 
إن قوىً فرضت نفسها في مواقع  قيادية فاعلة في هذا الحراك، لها أجندات سياسية مشبوهة وخطيرة، دأبت وسائل الاعلام الاسرائيلية على إبرازها ودمغ كل الحراك بها، بما فيهم من المتجندين في الجيش والشرطة، ودعاة تجنيد الشباب المسيحي في الجيش الإسرائيلي،  والمنادين بسلخه عن شعبه الفلسطيني وانتمائه الوطني، ومجتمعه العربي والمعارك الديمقراطية والتقدمية في اسرائيل. إن هذه الاسماء المعروفة جيدا، قد دمغت الكثير من المتظاهرين والمحتجين الانقياء والوطنيين الذين آمنوا بحقهم المشروع  في الاحتجاج على المعرض ورسائله، وهو حق طبيعي لهم، لكنهم أخطأوا في اختيار الوسيلة، وبات من الضروري أن نحذّر من تسلل أجندات مشبوهة تستغل العواطف المستثارة، للتنغيم على وتر طائفي مرفوض، من أجل الاصطياد في المياه العكرة ودس أفكار فاسدة تشوه رسالة المتظاهرين الصادقين في حيفا.  
وفي هذه الحالة التي يسهل فيها الترويج لوعي زائف، يأتي أحد أو بعض من يطرحون أنفسهم كمحللين علمانيين وطنيين ليبشرونا على صفحات التواصل الاجتماعي "بأن حراك الشباب المسيحي في حيفا هو دفاع عن وجودهم، وتعبير عن خوفهم الوجودي في أجواء خطيرة".. أي لا يا شيخ!! هل ما جرى حول متحف حيفا هو دفاع عن وجودهم؟ هل "وجود الشباب المسيحي" في حيفا مهدد أصلا بكونهم مسيحيين؟ أو أنه مهدد بقدر ما هو مهدد مصير الشباب الوطني الفلسطيني والتقدمي في حيفا وخارج حيفا؟ ثم ماذا يعني "خوفهم الوجودي في أجواء خطيرة"؟ ما هو مصدر هذا الخطر؟ أليس أخطر ما يتحدى الشباب المسيحي هو محاولات بعض المندسين في مظاهرات المتحف الترويج عبثا للخدمة العسكرية والدعوات لسلخهم عن انتمائهم الوطني والتقدمي؟ وفي جميع الحالات فإن الدفاع عن الوجود المسيحي أو الاسلامي أو الدرزي في ظروف اسرائيل لا يمكن ان يتم الا في معركة وطنية تقدمية سياسية، وليس بمقدوره أن يكون مدعاة لاصطفافات دينية أو خطابات طائفية.
ولو كنت يسوع المسيح لقلت بشأن أولئك الذين تشنجوا وأخذوا على أنفسهم أن "يدافعوا عن الصليب" بالهجوم والتهجم العنيف على معرض فني في متحف حيفا: "يا أبتي إغفر لهم فإنهم (أو بعضهم على الاقل -ع.م) لا يدرون ماذا يفعلون".